الأربعاء، يناير 23، 2008

طفولة تقاتل لتعيش

ترى كم من مرة صادفتنا لحظة تفكير عندما نمسك فاتورة مطعم بعد وجبة سخية غداء كانت أم عشاء فنفكر في المبلغ الذي نحن على وشك أن ندفعه. نفكر فيمن لا يجد لقمة يوم واحد


أنا عن نفسي عادة لا أفكر بتلك الأمور. أقولها صراحة ودون حرج. أنا أذهب لأفخر المطاعم لأمتع نفسي بما لذ وطاب دون أن يرف لي جفن او حتى أفكر بغيري. ليس الموضوع أنانية مني أو عدم انسانية لكنه فقط لم يخطر ذلك على بالي



بالأمس خرجت وزوجتي لتناول وجبة الفطور في أحد المقاهي المنتشرة في أحياء لندن. وجبتنا كانت عبارة عن قهوة وسندويتش لكل منا و أعتقد أن زوجتي طلبت كأساً من عصير البرتقال. عندما طلبت الفاتورة بعد الإنتهاء من الوجبة كان المجموع خمسة وعشرون جنيهاً أسترليني أو ما يقارب الخمسين دولاراً أمريكياً
.
.
قبل حوالي شهرين أو أكثر بقليل قرأت مقال في أحد الصحف الكويتية كانت قد كتبته سيدة كويتية تحدثت فيه عن زيارتها للبنان. الغريب بالأمر أنها لم تتحدث عن سعادتها بالأجواء الفرحية اللبنانية أو السهرات الجميلة على أنغام وائل كفوري أو أصالة نصري. لم تتحدث عن الإستحقاق الرئاسي أو الاعتصام وسط بيروت أو حتى الدور السوري وحركة 14 آذار. بل على العكس من ذلك تحدثت عن مأساة انسانية يعيشها بشر مثلي ومثلك. بشر نسيهم التاريخ الذي أصبح يمجد من يعيش في القصور ويرفع راية النصر بأصبعين أثنين ويترك الباقي للتاريخ ليكتبه بباقي الأصابع


تكلمت تلك المقالة عن بشر يعيشون دون أن يكون لهم عون في هذه الدنيا. بشر يعيشون دون ... لن أقول الفقر بل دون مستوى الحياة لأن من يعيش دون مستوى الفقر قد يعتبر بشراً هؤلاء يعيشون في أجواء ربما نهين البهائم إن طلبنا منها أن تعيش فيها





المقال كان كالآتي








أنت يا من تقرأ هذه السطور ولا تعرفني.. دعني أولاً أعترف لك بأني أكتب ما أكتب لعلي أستطيع بعده أن أنام، فأنا منذ وطئت قدمي مخيم برج البراجنة في ذلك اليوم من الأسبوع الفائت لم يغمض لي جفن ... تطاردني طوال الليل أقسى ملامح البؤس والشقاء .. لنبدأ من الأول



قادتني حرب تموز 2006 على لبنان إلى دروب العمل التطوعي الذي بدأ شبه منظماً حيث كنا مجموعة صغيرة قمنا حينها بتوزيع التبرعات التي جمعناها تحت مظلة الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان في قرى جنوب لبنان المتضررة من الحرب وبشكل مباشر لأيدي مستحقيها واستمر العمل التطوعي فردياً بعد ذلك حتى بات جزءاً اساسيا منى.. جزءاً عشقته حتى الإدمان

بعد عدة جولات في قرى الجنوب وعلى مدى شهور تهيأ لي أني شاهدت من لبنان قمة بؤسه وأني تعرفت عن قرب على وجهه الحزين وذلك حتى أقترح علي بعض الأصدقاء في لبنان أن أغير وجهتي في هذه الرحلة (وقد كانت رحلة توزيع مبالغ زكاة عهدت إلي من بعض الأهل والأصدقاء خلال الشهر الفضيل) إلى بعض المخيمات الفلسطينية في لبنان، ترددت بداءة وتوجست من الأمر بسبب ما اسمعه عن الأوضاع الأمنية الدقيقة في المخيمات حتى طمأنوني أننا لن نتوجه إلى أي من المخيمات ذات التواجد المسلح وإنما سنقصر زياراتنا على مخيم برج البراجنة ومخيمي صبرا وشاتيلا.. وما أدراك ما برج البراجنة وما صبرا وشاتيلا

كنت قد شاهدت من قبل عدة تقارير متلفزة عن الأوضاع في المخيمات إلا أنه لم يدر بخيالي أبداً أن الأوضاع قد تكون مثلما شاهدت بأم عيني .. دهاليز ضيقة بين المباني السكنية لا يرى فيها النور ولا تسمح بمرور شخصين متجاورين، مياه المجاري تجري بين رجليك تزكم الأنوف روائحها النتنة ... تدخل البيوت أو ما يسمى مجازاً بالبيوت وهي أقرب منها إلى القبور وإذا برطوبة عفنة تلفح وجهك وتصيبك فجأة بالغثيان ولولا الحرص على كرامة ساكنيها كنت غطيت بيدك على أنفك خوفاً من أن تتقيأ.. بيوت تملأ أرضياتها المياه في عز الصيف .. بيوت مساحتها لا تتجاوز متر ونصف في خمسة أمتار تقطنها أسراً كاملة من أناث وذكور يتشاركون في دورة مياه ليس لها حتى باب ... أية كرامة في حياة منزوعة الإنسانية

مشيت ساعات طويلة في أزقة برج البراجنة وحواري صبرا وطرق شاتيلا ودخلت ما يقارب الثلاثون بيتاً لم يكن بينها واحداً صالحاً للسكن الآدمي .. شاهدت مئات العيون الشقية.. تبحث عن لقمة .. عن دواء .. عن أجر فحص طبي أصبح مسألة حياة أو موت .. عن قيمة قسط مدرسي لطفل أو اثنين أو سبعة .. شاهدت شعباً نسيهم العالم المتمدن .. وأية مدنية تلك التي تسمح بوجود كل ذاك الظلم بيننا ولا نحرك ساكناً ؟ .. أية مدنية تلك التي نحرت أنسانية مئات الآلاف من البشر على مذابح الشعارات ؟ .. تارة لمنع التوطين .. وتارة لإرساء حق العودة .. ولكن حتى يعودوا أما يحق لهم أن يأكلوا ويشربوا ؟ .. أن يتعلموا ويتطببوا ؟ .. مرفوعي الرأس دون ذل .. ودون مصادرة لإنسانيتهم .. أما يحق لهم أن يحيوا كسائر البشر وحسب ؟؟

أيها المحسنون في بلادي ويعلم الله كم أنت كثر ... هناك في المخيمات الفلسطينية في لبنان .. في صبرا وفي شاتيلا .. وفي برج البراجنة .. هناك بشرٌ مثلكم .. عربُ مثلكم .. مسلمون مثلكم .. يئنون .. يتجرعون القهر كل يوم ..يبصرون نعيمكم وفقرهم .. قصوركم وقبورهم .. بذخكم وعسرهم .. هناك بشرُ كل فجر هو لهم همُ جديد

ليكن جهدنا بقدر شهامتنا خالصاً .. لا يحسب للسياسة حساباً ولا يضع للطائفية اعتباراً .. ليكن تحركنا مؤسسياً .. كبيراً مثلنا .. بل ضخماً .. ولكن حتى ذلك الحين سأقول لديالا أن تشمع الكبد سيقضي عليك يا صغيرتي قبل أن نتحرك .. وأنت يا آية .. ها نحن نقف مكتوفي الأيدي ننتظر بتر رجلك حتى نتحرك .. وأنت يا محمد فعما أحكي لهم؟ عن السرطان الذي تفشى في كبدك أو عن القيروس الوبائي الذي نخره وأنت لا تملك ثمن علاجاً كيميائياً قد يحفظ حياتك ويجنب جميلة وحمزة وأحمد والطفل الذي سيرى النور بعد أيام ويلات اليتم ... أما أنت يا ألفت البريئة .. ذات الإبتسامة الملائكية ..يعني ألا تكفيك نصف كلية !!! هذه هي الحياة يا ألفت يا صغيرتي .. من قال لك أنها عادلة

اللهم أني بلغت ... اللهم فاشهد
أتراني سأغمض عيني الليلة ؟؟





انتهت المقالة


.


.


منذ أن قرأت مقال تلك السيدة وأنا افكر في هؤلاء البشر. أفكر في هؤلاء الأطفال. بشر كل جريمتهم أنهم ينتمون إلى الشعب الذي يريد التاريخ أن ينتقم منه لا لشئ


لا يهمني السياسيين


لا يهمني الكبار


لا يهمني علماء الدين
.
لا يهمني جنرالات الجيش
.
لا يهمني زعماء المقاومة
.
لا يهمني أحد


يهمني فقط الطفل وسط تلك المعادلة الصعبة
.
هل من الممكن تخيل ما يحسه هذا الطفل الذي وُلد ليجد نفسه في في وضع لا يمكن أن يضمن له كبير العائلة وجبة واحدة باليوم عندما يحس بالجوع ... والصغير لم يخلقه الرب ليحتمل الجوع كالكبير ... مثلي ومثلك


لا يضمن له الكبير الدواء عندما يمرض ... والصغير كما الكبير لا يمكنه تحمل الألم


.


هذا الصغير لم يطلب تعليم عالي وهو حق له


لا يطلب تعليم بسيط وهو حق له


لا يطلب أن يحاور أحد حول الديمقراطية وأهدافها وهل هي ضد الاسلام أم الشورى هي الحل وهو حق له


هذا الصغير لا يطلب بنفس النعيم الذي نعيش به أنا وأنت كل يوم
أكاد أسمع همسات ترد علي بأنها هي لا تعيش بنعيم
.
هذا الطفل نعيمة وجبة واحدة باليوم. هذا الطفل نعيمة دواء يحتاجه اليوم اليوم قبل الغد ... وربما يحتاجه منذ الأمس


.


عندما أتت الفاتورة لي ولزوجتي قررنا أن الخدمة كانت أكثر من مرضية وعليه فإن الاكرامية لابد وأن تكون على مستوى الرضى. لذلك كانت تعادل 25% من قيمة الفاتورة. أعرف أنني كما الجميع يحب أن يترك أكرامية سخية. وهكذا بدون تخطيط أو مجهود بعد وجبة فطور واحدة دفعت ثلاثون جنيهاً استرليني أو ما يقارب 60 دولار أمريكي


.


.


ترددت كثيراً في الأتصال بتلك السيدة بعد قراءة المقال. فأنا أعيش في بريطانيا وهي تعيش في الكويت والأطفال فلسطينيون يعيشون في مخيمات اللاجئين في لبنان. كيف أشرح أن مقال نُشر في عامود في صحيفة قبل أكثر من شهرين جعلني أعيد النظر في الحياة. هل هذا ممكن ان يصدق؟ أصدقكم القول بأنني لا أدري فلم أمر بمثل هذا الشعور من قبل. ثم الأهم من هذا هو أنني أصلاً لست بالرجل الثري. بل أعمل جاهداً منذ الصباح الباكر وحتى بعد مغيب الشمس مقابل ما اعتبره لا يفي بطموحي فكيف لي أن أشرك معي أحداً! ثم كيف لي أن أعرف أن تلك المساعدات لن تذهب إلا لمن يستحقها


.


.


ليتني لم أتصل ... ربما كان علي أن أتجاهل ما كانت تلح به علي أنسانيتي أن أقوم به. أكتشفت كم هو ضحل تفكيري. كم هو بسيط عقلي عندما يصور لي أن الحياة جميلة وكاملة مادمت أنا وأطفالي بخير. ياإلهي كم أنا ساذج. وكم هي كبيرة تلك السيدة التي تجمع تبرعات وصدقات وأموال زكاة وتترك بيتها وعيالها لتضع بنفسها تلك الأموال بيد من يستحقها


حكت لي عن بيوت شيدت ووجبات وزعت واموال وُصلت في جميع أنحاء لبنان ... للجميع دون النظر لمذهب أو أنتماء أو جنسية. مسلم مسيحي شيعي سني درزي ماروني يقدس جنبلاط ، ابو عمار ، الحريري ، نصرالله أو عون
سألت سؤال كان الغرب قد حاول لسنين عديدة أن يغسل مخي منه دون فائدة ... سألت إن كان هناك توصيف معين لمستحق تلك المساعدات؟ يبدو أنها أذكى مما تصورت فقد ردت بحزم ودون تردد قائلة بأن هناك فعلاً توصيف واحد لا غير وهو أن يكون متلقي المساعدة بشر فقط


.


سألتها بكم ممكن ان اساعد طفل مريض
.

قلتها وأنا أفكر في حسابي البنكي


قالت 50 دولار أمريكي بالشهر تفي بحاجة طفل يكاد يموت لعدم توفر المال لشراء الدواء



لكنني للتو دفعت أكثر من هذا المبلغ لتناول وجبة أفطار واحدة


.


ألم أقل أنني شعرت بأني ساذج بعد تلك المكالمة


.


.


.


من لديه القدره ويرغب بالتبرع بقيمة ما يدفعه لوجبة فطور أو غداء بما يعادل 50 دولار أمريكي أو حوالي 15 دينار كويتي تكفي لشراء دواء يحتاجه طفل مريض لمدة شهر كامل ارسال إيميل لي وسوف أزوده بطريقة الوصول لتلك السيدة










الثلاثاء، ديسمبر 11، 2007

رسائل لم ترسل - رسالة مدريد

هذه رسالة من رسائل كتبتها في أسفاري دون أن ارسلها لأحد






تركتها كما كتبتها في حينه دون تغيير









سوف انشر بعضاً منها كلما حان الوقت




.




.




مدريد 17 أكتوبر 2007














ملاكي







.







تعرفين أنني كثير السفر. وحيث انك تكونين معي بفكري أينما حللت. فلقد قررت أن أكون أنا معك أيضاً. سوف أكتب لك من كل بلد أحط فيه. فقط لأقول لك أنني اشتقت لك أكثر مما اشتقت اليك في البلد السابق. ولسوف أظل أفعل ذلك حتى أكتب لك ... أنني هنا بجانبك





أحلم بأنني أخط السطور وأنتي تقرأين ما أكتب أولاً بأول. تحطين رأسك على كتفي وتزاحمين عيني بين كلماتي وأنا أبتسم سعيد بهذا الزحام وانا من يكره الزحام وانتي تعرفين ذلك. ربما كان أساس كرهي للزحام هو زحام محبيك حولك. وربما لأنني أود أن أكون أنا وحدي بين يديك وأذنيك وخديك وعينيك لاثماً شفتيك. لا أكثر ... هل هذا كثير





.







يوم أمس كان طويلاً جداً. خرجت من منزلي في لندن في الصباح ولم أصل الى الفندق في سراقوسطة إلا بعد العاشرة مساء. فندق بسيط ذو ثلاث نجوم. وربما كان لصاحبه علاقه قوية مع أحد المسؤولين فأهداه نجمتين فوق النجمة الوحيدة التي يستحقها. فندق بارد جداً ولا أقصد برودة طقس. أثاثه أقل من بسيط. إضاءه خافته. أصوات سكارى بالخارج تضحك وتتشاجر بنفس الوقت. وفراش صلب احتجت قرصين من الحبوب المنومة فقط لأتمكن من النوم عليه






.





هذه ثاني مرة أزور فيها سراقوسطة ذات التعداد الأقل من المليون بقليل. في المرة السابقة تم تفجير نفس القطار الذي استقليته بعدها بيومين فقط من قبل اشخاص يريدون نشر الاسلام. كنت متوتراً وأنا اركب القطار هذه المرة بعد أن عادت لي الذكريات وكيف كان من الممكن ان أكون انا في ذلك القطار



.



ما بين المطارات والقطارات من مدريد الى هنا كنت قد وصلت لمرحلة الانهاك التام. أول ما فعلته بعد تغيير ملابسي هو تشغيل هاتفي النقال لأرى أن كنت قد تذكرتني برسالة قصيرة ... لاشئ







ثم جاء دور الشئ الثاني الذي أقوم به وهو قراءة كتاب كنت قد اهديتني اياه. هذه المرة كانت رواية بعنوان "تلك العتمة الباهرة" للطاهر بن جلون. كاتب مبدع لم أعرفه من قبل. وأجزم أنه لولاك لما عرفته ولما كنت قادراً أن اناقش أحد في الأدب العربي. لا أدري ما سر عشقك لكتاب المغرب العربي. هو عشق جميل أصبحت اشاطرك إياه. لا أنسى عندما كنت ذات مرة في باريس وكنت يومها أقرأ رواية لواسيني الأعرج. كانت السيدة العجوز التي تقوم بترتيب الغرف من أحد بلاد المغرب. لا يمكن أن اصف فرحتها بي عندما رأت غلاف الرواية. وعندما ذكرت بعض الأسماء المغاربية التي قرأت لها لمحت دمعة في عينيها. سألتها لماذا الدمع؟ قالت انها تذكرت كيف كانت تقرأ الروايات في مراهقتها في بلادها. أهديتها الرواية وأهدتني قبلة على خدي






أعود لرواية الطاهر. لست أدري ان كان لديك هدف من اهدائي تلك القصة والتي تدور حول رجل مكث في سجن ثمان عشر سنة ... هل يمكنني أن اقارن بين سجن حبك وسجن تزمامارت؟ ... باقي من الزمن ثمان سنوات وشهرين وثلاث أيام فيصبح العد كما في الرواية. بعد ذلك هو نال عفو ملكي. أما أنا يجب أن ينالني عفو ملائكي ولاشئ أقل من ذلك
.






هذه عادتي في السفر. دائماً احرص أن تكوني معي بطريقة أو بأخرى. وأكثر تلك الطرق هي رواية منك. كم أحب ذوقك. تهديني روايات لا تتعبني قراءتها ولكن ما يتعبني حقاً هو محاولة معرفة لماذا اخترتي تلك الرواية بالذات. أحس أنني عجينة طرية بين يديك تشكلينها كيفما شئتي. والغريب أنني سعيد بيديك حولي. ترى هل اشكلك بكتاباتي كما تشكلينني بقرآتي؟







.







هذا الصباح كنت على موعد مع الأجتماع الذي من أجله جئت. كان هناك سبعة أشخاص، أنا وستة آخرون. الستة الآخرين اما أسبان أو يتحدثون الأسبانية بطلاقة بحكم عيشهم هناك. أما أنا فلا أعرف إلا جملة واحدة وهي ... هذا غير مقبول إطلاقاً بالنسبة لي







استعملت هذه الجملة كثيراً من قبل معهم. لكنني اليوم لم أكن بمزاج لنقاش عربي أسباني. أكتشفت خصلة عربية بالأسبان وهي حبهم للنقاش الطويل الذي لا يؤدي لشئ. فقط أبداء وجهة نظر ثم الدفاع عنها بضراوة وسط تنكيل شديد من الآخرين. تصوري بعض تلك الاجتماعات تصل لثماني ساعات متواصلة في بعض الحالات. بلا مبالغة هناك أربع ساعات نقاش حول شرعية الكتالونيين في حكم الأقليم الذين يعيشون به وسياسة مدريد العاصمة تجاه السكان المحليين. وثم ينتقل الحوار بقدرة قادر جبار لكرة القدم ويبدء نقاش طويل حول من سيفوز باللقب ريال مدريد أم برشلونة؟ ومعظم هذه النقاشات تبدأ بالأنجليزية ثم تختفي تدريجياً ويتم استبدالها بالإسبانية فأجلس انظر لتعابير الوجوه وأبتسم لهذا ولذاك. حتى أمل فأضرب بيدي على الطاولة لأقول جملتي الوحيدة ليتم قفل باب النقاش. ربما عرفتي الآن لماذا تعلمت تلك الجملة الوحيدة







.







لا أدري لماذا لم أكترث اليوم لهذه النقاشات البيزنطية المتواصلة. بل على العكس من ذلك كلما انشغلوا بالحديث باللغة الاسبانية لم أقاطعهم. بل على العكس كنت أستمتع بذلك. فتلك كانت فرصتي لأسبح في خيال بحرك. كنتي معي في مدريد نجلس في احد المقاهي أنظر لعينيك فتبتسمي وتقولي لي كف عن هذا فلسنا مراهقين. نتجول في الأسواق ... يخرب بيتك فلقد اقنعتيني بطريقة أو بأخرى أن أشتري تلك الشنطة الغالية بمبلغ لا تقدر ميزلنيتي المتواضعة على تحمله. مبلغ لا ادري كيف دفعته. ثم تلك القبلة التي قلتي بها شكراً جعلت الثمن الذي دفعته للتو بخساً. قبلة تفتدي كل أموال العالم







.







كنتي معي حول طاولة الاجتماع وأنا أقول لك بالعربية "يلعن أبو الأسبان لنهرب من هنا" فتضحكين ثم ننسحب بهدوء دون أن يحسوا بنا وسط نقاشهم العاصف. نجري للخارج ونرمي أجسادنا بأول تاكسي أمامنا ونقول له خذنا إلى مكان تريده أنت فلا نعرف أين نريد أن نذهب بل لا يهم ما دمنا هنا بجانب بعضنا. تقتربين مني ونحن جالسين في المقعد الخلفي. ربما تودين أن تبوحي لي بشئ. أقترب منك وأنا ألاحظ سائق التاكسي يراقب حركتي بمرآته لكنني لا أبالي. أحس بشفتيك تعضان شفتي السفلى فألمس شفتي بأصابعي لأكتشف أنك لست معي وأنني مازلت في الإجتماع ... كل هذا في أحلامي وأنا أنظر للأسبان الستة وهم يتناظرون حول لاشئ. قاطعتهم بسؤال عمن كان يجلس في الكرسي الذي رأيتك تجلسين فيه قبل دقائق. نظروا لبعض مستغربين ومبتسمين وقالوا لا أحد هنا سوانا. قلت في نفسي بل لا أحد هنا سوى أنا وأنتي فقط







.







لم ينتهي الإجتماع إلا بعد ست ساعات من البدء في تمام التاسعة. طريق العودة كما هو طريق القدوم لكن بالعكس ... قطار ثم قطار ثم مطار فطائرة. نفس الشعور المتوتر الذي احسسته بالأمس عاد لي مرة أخرى. سوف أكون في لندن متأخراً بعض الشئ. ربما عندما أصل هناك وأشغل هاتفي تكون هناك رسالة منك







.







تعرفين أحلى رسالة منك هي "هل أشتقت إليَ؟" يا الهي كم تهزني تلك الكلمات الثلاث منك







.







هذه رسالة مني لك ... هل أشتقتي إليَ؟


.




الفرق الوحيد أنني أكتب رسائل لا ترسل







ورسائلك ترسل







وتصل إليَ







لكنك بخيلة جداً







.







أحبك يا بخيلة







.

أنا



الأربعاء، أكتوبر 24، 2007

عيون تدمع رماد

لا أدري إن كان يجب علي أن أكون ممتناً لأي أحد فقط كونه السبب في وجودي في هذه الحياة. هل من المطلوب أن أقدس التراب الذي يمشي عليه فقط لأنه أبي؟ هذا الرجل الذي لم أحس يوماً أنه كان قريباً مني بل على العكس تماماً لم أره إلا بعيداً ويبتعد تدريجياً كما المركب الذي لم يُحكم ربطه بالمرسى فبدأ الموج الخفيف يحمله رويداً رويداً تكاد لا تحس بإبتعاده حتى تكتشف أنه وصل لنقطة اللاعودة وعندئذ تفكر في جدوى السباحة خلفه أم تقول لنفسك بأن الحياة يجب أن تمضي رغم كل شئ وتترك قاربك يسبح لعله يكون نجاة أحدهم من غرق. عموماً أشك أن يكون هذا الرجل والمكنى بأبي أن يكون نجوى أحد






ولدت في بيت صغير لأجد نفسي أكبر أخوتي الثلاثة. ولدان آخران وبنت واحدة. الولدان أحدهم جاء قبل البنت والآخر بعدها. أشقياء بعض الشئ لكنهم مواظبون على دروسهم. شقيقتي الوحيدة أسمها دعاء وهي ولدت بقلب ضعيف مما جعلها تمرض كثيراً في طفولتها لكنها تعافت من كل شئ الآن. ورغم ذلك لاتزال المفضلة لوالديَ ربما بداعي الشفقة أو ربما كونها الوحيدة وسط ثلاثة أولاد. والدتي ذات تعليم بسيط لم يؤد إلا لوظيفة لا تقل بساطة عن تعليمها. موظفة في أحد الجهات الحكومية. تعمل يوماً وتتمارض ثلاثة أيام. تزوجت والدي بطريقة تقليدية بحتة. عندما تقدم لخطبتها لم تكن تعرفه أو حتى سمعت به لكنها وافقت كون سنها بدأ يقترب من تلك المرحلة التي تبدأ في تصنيفها في خانة العوانس خصوصاً كونها لا تحمل مؤهلات يمكن لبعض الشباب التغاضي من خلالها عن سن الفتاة كثراء العائلة أو تعليمها العالي أو حتى جمال متميز








بقي والدي. والدي رجل ترعرع في كنف أب غني لكنه مقتر على نفسه قبل أهله. توفت والدته في سن مبكرة فلم يجد له من يأخذ بيده أو يرشده. بل على العكس كان هناك العديد ممن كان مستعداً لسقيه جميع الممارسات الخاطئة. طبعاً لم يكن التعليم من أولوياته لذا كوالدتي لم يكن يحمل شهادة أو وظيفة مميزة. وعندما وصل لسن بدأ الشيب فيها يتسلل لرأسه أحس بأن الوقت قد حان ليتزوج. ولتكن من تكون فليس هناك مواصفات معينة في باله فقط المطلوب أن تعتني به في غير أوقات نزواته وأن تقدم له الطعام ونفسها كلما جاع أو اشتهى جماع لا أكثر ولا أقل. أما البيت والعيال فهما من مسؤولياتها التي يجب أن تعتني بها








طفولتي كانت مضطربة نوعاً ما فلقد إستيقظت على العديد من الخناقات بين والدي ووالدتي خاصة عندما يعود مترنحاً من إحدى سهراته. كان فظاً عندما يشرب الخمر فيبدأ بكيل السباب لوالدتي من غير سبب فقط لأنها لم تستيقظ عندما دخل المنزل أو أي أمر أتفه من هذا. لم يتوقف هذا عندما جاء أخي حمد من بعدي ثم دعاء وأخيراً أخي الأصغر ناصر بل ربما زاد الأمور تعقيداً عندما مرضت دعاء فأصبحت والدتي ترعاها بإهتمام مضاعف وسط إتهامات من والدي بأنها السبب في مرضها وأن جيناتها الوراثية التي ورثتها عن أهلها هي السبب في المرض. فجأة أصبح الرجل الذي لم يكمل الشهادة المتوسطة يتحدث عن الجينات وأكاد أجزم أنها جملة سمعها في أحد السهرات قبل أن يغيب عن الوعي وسط الملذات







كوني الأكبر الذي كان يكني باسمي لم يشفع لي أو يمنحني أية حظوة لديه. لا أذكر عدد المرات التي لطمني فيها دون سبب. أو المرات التي نهرني فيها أمام أصدقائي وسط سيل لاذع من الشتائم، وكأنما كان يريد اهانتي بتعمد وسبق اصرار وترصد، لأنني لم أسق الزرع أو لأنني لم أخرج كيس القمامة مع العلم أن هناك في المنزل من يُدفع له ليقوم بتلك المهمات لكن الأمر سيان عنده فقد سمعته مرة يقول لوالدتي بعد أن تدخلت لتمنعه من ضربي بأن تلك هي الطريقة الوحيدة لتربية الأولاد. حاولت الرد عليه أكثر من مرة دون جدوى. بدأت تلك المحاولات تزيد كلما كبرت عمراً وبدأ عودي يشتد لكن نظرته تلك المخيفة لا تزال تعيدني لمكاني وكأنني في المدرسة أمام مدرس شرير ولم أعمل الواجب أو احفظ الدرس








كان الجميع في المنزل يهابه. وكان يفعل المستحيل لإبقاء الأمر كذلك. إلا عندما يكون مع شقيقتنا دعاء فهي التي تفعل وتقول ما تريد ويكون برداً وسلاماً على قلبه. وكلما طلب منه أحد أمراً نهره حتى تأتي دعاء فتقول له كن فيكون. كان دائماً ما يقول أمام الجميع في حضوري أنه فقد الامل بي وأنها فقط دعاء من سيرفع رأسه وتصبح مدرسة في الجامعة. سألته ذات مرة لماذا يتمادى في حرماني ويتمادى في إرضائها. رد بعد أن جذبني نحوه من أذني بطريقة شككت فعلاً أنها سوف تُخلع من مكانها بأنه أولاً لا يفرق بيننا وثم هي مريضة وتستحق بعض الخاص من المعاملة وعندما رددت بأنها قد شُفيت تماماً ازدادت عصرة أُذني إلى أن تأسفت على وقاحتي







بخل جدي الشديد أصبح من سمات والدي فهو يكاد لا يصرف شيئاً على المنزل. وأكاد أجزم أنه لولا عمل والدتي لبتنا جياعاً ليال عديدة. أذكر يوماً كنا معه في سيارته في طريقنا للمدرسة. لم نكن نتكلم لأنه لا يحب أن يسمع أي صوت غير المذياع. كنا فقط نتبادل النظرات كلما أراد أحدنا أن يقول شيئاً لأحد. وعندما وصلنا للمدرسة تجرأ ناصر وطلب بعض النقود ليشتري شيئاً من المقصف. لم يرد عليه ولو بكلمة. بل كل ما فعله أن رمقه بنظرة غاضبة وكأنما طلب منه ناصر أن يقوم بعمل معيب، هز والدي رأسه بشدة فهمنا جميعاً أنه يأمرنا بالنزول من السيارة. التفت لناصر وإلا بدموعه تنسدل على خده. لم يغير ذلك شيئاً من موقف والدي فنزلنا ومسكت ناصر من يده وقلت له وأنا أشد عليها بأن الدموع ليست للرجال. كان من الغريب أن أقول ذلك وأنا من ينام كل يوم ودموعه على خده تبلل وسادتي وأقاوم بشده أن يكون بكائي بصمت ... صمت الرجال عندما تبكي








هل من الممكن أن يكون هذا هو الشخص نفسه الذي رأيته مرة صدفة مع أصحابه في أحد الأماكن العامة؟ كان الرجل الذي رأيته مرحاً للغاية يضحك بشدة بل اشتبك بطرقة كوميدية مع أحد رفاقه فقط للحصول على شرف دفع فاتورة الحساب. هذا الرجل الذي لم أره مرة يخرج ورقة نقدية من جيبه بداعي عدم وجود أي منها بحوزته كانت محفظته تكاد تنفجر من النقود. هذا الرجل الذي عندما يعود إلى المنزل من عمله يلقي التحية بهزة رأس ثم يدخل فراشه لينام ولكن ليس قبل أن يقبل ويحضن دعاء وسط نظراتنا جميعاً وهي تستصرخه وتقول ماذا عنا نحن. ننتظره حتى يصحو من نومه حتى نأكل فمن غير المسموح لنا ان نأكل قبله. يصحو من قيلولته ليقول لنا على الفور بأنه بمزاج غير قابل لسماع أي صوت. تدعوه والدتي لتناول الغداء فيأكل بصمت. تحاول هي أن تستنطقه فتبدأ بالحديث عن مشاكل البيت والخادمة وأم نوال جارتنا وخناقها المستمر مع أم هاني الجارة الأخرى. وبينما هي وسط حديثها يتوقف فجأة عن الأكل ويقوم من المائدة دون كلمة. أحس بشعور والدتي بالحرج والمهانة فأمسك يدها وأسألها عن نوال بنت الجيران وكيف هي وفجأة تنسى والدتي ما قد حدث لها للتو وتبدأ بالحديث عن ابنة الجيران التي تقول بأنها لي. يحدث هذا تقريباً كل يوم. لا أدري إن كانت والدتي بسيطة الأحاسيس أم أنها مجرد امرأة جعلتها الحياة بجلد تماسيح يقوى على أقصى المهانات التي كنت أود لو أنها أوقفتها قبل أن أولد فلا أجد نفسي في هذه المواقف. وقبل أن نقوم من المائدة يكون هو في طريقه للخروج من البيت ولا يوقفه شئ حتى منتصف الليل عندما يعود مترنحاً. رجل ذو شخصيتين، واحدة لبيته وعياله وأخرى خارجه. لطالما تفكرت في رجال كهذا. رجال لا يمكن وصفهم إلا بالدكتور جيكل والمستر هايد. بشر ينقلبون تماماً وكانك تنظر لشخصين. وللأسف ظفرنا نحن بمستر هايد وربما حظيت دعاء وكل بشر خارج محيط بيتنا بالدكتور جيكل







كل هذا أثر سلباً في نفسيتي فلم أعد مهتماً بالمواظبة على دروسي. وكلما رسبت في مادة جاءتني لطمات هزت أركان وجهي حتى لم يعد هناك إحساس بالألم. بل أصبحت أتحداه كل يوم لأرى عينيه وهي تمتلئ بالحقد ويده وهي تهوي على وجهي فقط لأضع وجهي قريباً منه ثانية ليلطمني مرة أخرى. لم يكن شعوراً بالسادية أو شيئا من هذا بل كنت أريد أن أراه يفقد أعصابه كما يفقدني أعصابي كل لحظة. كنت أريد أن أرى يده وهي ترتجف بعد فاصل الضرب وهو يشتم كل الدنيا ومن فيها وأنا أبتسم بداخلي رغم كل ما قد حدث







بدأت بالتلصص عليه كل ليلة عند عودته من الخارج وهو يترنح. ربما فعلت ذلك من باب التشفي أو من باب حماية والدتي إن حاول الإعتداء عليها كما فعل أكثر من مرة قبل ذلك. وهكذا كلما سمعت صوت حركة في الصالة قفزت من سريري بخفة وأختبأت خلف الحائط أو أحد قطع الأثاث. كنت أجازف بالاقتراب منه بعض المرات فقط لأرى نظرته السكرانة. أراقبه حتى أتأكد أنه دخل سريره أو أنه نام في أي مكان آخر كما كان يفعل مرات وينام على السلم. وبهذا أكون قد أطمأننت فأعود لفراشي







أستمر ذلك لفترة طويلة حتى كان ذلك اليوم الذي بعد أن تأكدت من نومه رجعت لسريري. لم يكن سكراناً ليلتها على غير العادة. سمعت صوت أقدام فقفزت تلقائياً من السرير ولم يراودني أي تساؤل عمن يكون المصدر خصوصاً وأن والدي قد دخل السرير. وقبل أن أصل للسلم رأيته ينزل من أمامي وهو يحمل عصاً غليظة. يبدو أنه قد سمع الصوت نفسه. وعندئذ فقط اكتشفت أنه لابد وأن يكون هناك لصاً أو شيئاً من هذا القبيل. اختبأت لأرى ما يحدث وأبقيت عيني على والدي وهو ينزل ببطء. وفجأة ظهر شخص في منتصف القاعة. مشى إلى المنتصف ووقف ينظر بإتجاه أبي. رفع والدي يده بالعصا ليكون المتسلل على علم بوجود سلاح. لم يحرك الشخص الغريب ساكناً. كان واقفاً ينظر لأبي دون حراك. نزلت بعض الخطوات حتى أسمع ما يحدث. أشار الشخص لوالدي أن ينزل العصا ودار بينهما هذا الحديث




والدي: من أنت؟



الغريب: أنا من ينتظره الجميع



والدي : أنت لص أو قاتل. سوف أطلب الشرطة الآن



الغريب: لن ينفعوك كما هي عصاك



والدي: من أنت وماذا تريد بحق الجحيم؟



الغريب: يبدو أنك في عجلة من أمرك للذهاب هناك


والدي: أذهب أين؟


الغريب: الجحيم ... ألم تذكره للتو


والدي: وهل انت من يقرر من يذهب للجنة و من يذهب لجحيم


الغريب: طبعاً لا ... لكنني أعرف أكثر مما تظن عنك وعن أهل بيتك


والدي: وكيف لك ذلك


الغريب: قلت لك أنا من ينتظره الجميع لكني آتي بغير ميعاد. أنا أمر بك وبغيرك خمس مرات كل يوم أنظر بالوجوه غيرك لأبشرها انني قادم لا محالة


والدي: ما هذا الجنون ... كيف تمر على كل البشر وكيف أنني لم أرك من قبل ... انت مخمور او حشاش ... من تظن انك تخدع بحديث كهذا ... أياً كان فأنصحك ان تغرب عن وجهي الآن


كنت أرتجف وأنا أسمع هذا الحوار الغريب. مددت رأسي حول العمود لأرى شخصيته فوجدته ينظر إليّ في عيني بعينيه اللامعتين. له وجه جميل جذاب لكنه يشع بالقوة من خلال تقاسيم رجولية أضفت عليه رزانه. كان مخيفاً وهو يكاد يخترق جسدي بنظرته بل أقسم أنه قد فعل ... حتى سمعت صوته مجدداً


الغريب: عادة لا يراني أحد لكنني أردت ان يراني بشر هذه المرة لأنني أريد أن يُسمع قولي ... قال هذه الجملة وهو ينظر ناحيتي فأرتددت خلف العامود لأخفي جسدي .. ثم اطرق مكملاً ... أفعل هذا كل يوم حتى يأذن لي ربك بقبض الروح التي أمامي. وكما ترى فأنا هنا لقبض روح أحد في هذا البيت

قال ذلك وعينه بدأت تشع نوراً ... لم أعرف ماذا أفعل وأجزم أن أبي انتابه نفس الشعور. لكنني سمعته يقول ... يا إلهي هل أتيت لأخذ ابنتي الوحيدة ... قالها وهو يركض ناحية السلم متجهاً للطابق العلوي. مر من أمامي بسرعة دون أن ينتبه لي ودخل غرفة دعاء وإلا بالرجل الغريب ينتظره هناك. هنا أيقنت أن الرجل لم يكن يكذب وأنه لابد أن يكون كما يدعي ملك الموت الذي سمعت عنه في حصص الدين المدرسية وإلا كيف يكون قد وصل قبل أبي وقبلي وقد تركناه للتو في الأسفل. عندما نظرت وجدت والدي يحاول أن يقف كالسد مابين الملك ودعاء رغبة منه في حمايتها. كان يبكي ويصرخ وهو يقول دعها تعيش لقد قاست في صغرها كما لم يقاس طفل آخر. لم يرد الملك كان ينظر لدعاء بنظرة ثاقبة وكان يتمتم بكلمات. نظر لوالدي وقال: لا تخف لم آتي لها

صرخ والدي: ابني الأكبر

لم أستوعب ما سمعت ... أنا المقصود؟ أنا الميت؟


ركضت لفراشي وكان الملك واقفاً مقابل سريري ينظر إلي. امتلأت الحجرة برائحة زكية تشبه اللافندر الذي ينمو في الحدائق. اختبأت تحت لحافي وأنا أرجف من الخوف. أسناني تصطك بعضها ببعض. لم أكف عن قول بسم الله الرحمن الرحيم. لم أعرف ماذا أقول غير ذلك وظللت أرددها بهمس وسط اصطكاك الأسنان. دخل والدي الغرفة ورما نفسه على جسدي وهو يصرخ لا ... كان يقول لي كم هو آسف على مافعله معي. كان يصرخ ويطلب مني المغفرة. سمعته يقول: سامحني لم أقصد أن أهينك كل هذه الإهانات. سامحني على كل مرة مددت يدي عليك. أنا آسف أنا آسف


أخذ يدي وبدأ يمسح بها على جبهته ووجهه. كانت دموعه تنسدل بغزارة على خده. كنت أرتجف وأنا أحس أن الميعاد قد حان. لم أحس وإلا بسائل دافئ على رجلي. تبولت على نفسي دون أن أحس. كنت خائفاً من أن أفتح عيني لأرى ما يحدث حولي. لم أعرف ماذا أفعل. وكيف لي أن أعرف كيف يموت الإنسان وما هو شعور خروج الروح ... وهل هناك من يأخذ بيدي وإلى أين ياخذني ... مازلت صغيراً لم اعش بعد والخوف يقتلني ... ووالدي هل أسامحه قبل أن اموت؟

سمعت صوته يسأل أبي: ألم تدمي انفه كل يوم ... هل الآن اصبح من تحب ... الا تود ان تضربه مرة اخيرة


كان أبي يبكي وهو يرد بانه لم يضربني مرة الا ليعلمني شيئاً ... لا أدري لماذا حتى وانا في هذا الموقف وددت لو أنني اعترضت على كلامه ... مرة اخيرة


وفجأة سمعت صوت الملك يقول لوالدي ليس هو. لم أعرف ما إذا كان علي أن أفرح بسماع ذلك أم أحزن لكون هناك من هو ميت في عائلتي. صرخ والدي خوفاً من أن المقصود هما حمد وناصر وكانا ينامان في الغرفة المجاورة. تكرر المشهدان السابقان مع الولدين ولم يكونا هما المقصودين أيضاً. هنا قال والدي بصوت مخنوق بأنه لم يتبق سوى والدتي. سقطت على الأرض عندما سمعت ذلك فهي سندي في الحياة ودونها ربما كان الموت أجدى وأهون من العيش. عندما وصلت لغرف والديّ وجدته على الأرض ممسكاً بيدها وهو يبكي. كان يطلب السماح منها وهي لا ترد. كانت عيناها مغمضتين تبدو كملاك. لم أراها بهذا الجمال من قبل. لا أدري ان كانت كما هي لكنني اراها جميلة لعلمي أنها لن تكون معي بعد هذه اللحظة


والدي يبكي ويضرب وجهه بيديه الأثنتين ثم يدني وجهه منها ويقبل جبينها. وأنا واقف خلف الباب وأحس بقطرات البول تنزل من سروالي على ساقي. دموعي تنهمر وسط ما أراه ورغم ذلك أخشى أن أقول شيئاً فيحس الأثنان بوجودي. بدأ والدي يطلب من الملك أن يبقيها ليوم واحد فقط. وعندما سأله لماذا قال ليعتذر لها عن كل ما بدر منه في السنوات الماضية. ضحك الملك وقال الآن اكتشفت أنك تريد يوماً واحداً. كانت حولك كل يوم ولم تحس بها كإنسانه والآن تريد يوم واحد؟ بشر عجيب


رمى والدي نفسه عند قدمي الملك وبدأ يقبلهما وبدأت أقترب لأشارك والدي فعله فلربما رق لحالنا الملك وشفع عند من ارسله ليبقيها ... فرمقني الملك بنظر تسمرت في مكاني منها ولم أتحرك ... همست له أرجوك أبقيها لي لا تبقيها له ... لم يرد


قال له الملك لاتحاول فقد قضي الأمر وليس هناك من تبديل لكنها ليست هي من جئت لقبضها ... بل أنت


كان هناك صمت قبل أن يقول أنه أبي المقصود. ثم كان هناك صمت أطول هذه المرة. كان أبي يمسك يد أمي بكلتا يديه وفجأة وجدت يدها تسقط وأبي يخر على الأرض بجانب سريرها. وهنا نطق الملك وقال: الآن عرفت قدر زوجك وأبنائك ... أنظر لجسدك هناك مسجى في الفراش ... لقد قبضت روحك في اللحظة التي سمعت بها صوتي أول مرة


نظرت لفراش أبي ولهول مارأيت كان فعلاً هناك. نائماً أو تحسبه نائم. لكنه كان أيضاً موجوداً أمامي على الأرض بجانب والدتي. غطى والدي وجهه بكفيه وبدأ يبكي بصوت مرتفع أسكته صوت الملك قائلاً بأنه من الآن لن يسمع بكاءه أحد فقد أصبح روحاً. لا أدري لماذا كنت أسمعه رغم ما قاله. حاول أن يمسح دمعه فقط ليكتشف أن عينيه لا تدمعان ... وكيف تدمع ... فهو روح ...وعيون الأرواح تبكي لكنها لا تدمع



فتحت عيني على صوت بكاء وعويل لأرى نفسي في فراشي وأمي تلطم وجهها عند باب غرفتي. كانت تصرخ بي بأن أقوم من النوم فأبي قد مات ... نظرت حولي فلم استوعب الحلم الذي مر علي البارحة ... أوكان حقاً حلم أم حقيقة ... هل كنت أنا هناك ... أم أن كل ما رأيت كان مجرد خيال صادف عقلي فيه ما حدث فعلاً


تحركت في سريري لأخرج منه وإذا بي أحس برطوبة وبلل يملأ فراشي وملابسي ... رائحة البول النتنة ملأت أنفي ... قشعريرة قوية رجت جسدي النحيل ... ترى لماذا تبولت ... هل خوفاً من شئ أو احد




سنوات مرت منذ ذلك اليوم



أتخيل تلك العيون تلاحقني كل مكان ... بل في أوقات معينة أحس بأنفاس في وجهي ... كلما شممت رائحة اللافندر في مكان تلفت حولي لعلي أراه و أرى من جاء ليقبض هذه المره ... أقف ساكتاً حتى تتبخر الرائحة من حولي فأعلم أنه لست انا ... هذه المرة على الأقل

الثلاثاء، يوليو 17، 2007

عندما حلمت أنني أمين معلوف

تحديث: شكراً للصديق العزيز سلوقا على التصحيح الإملائي لبعض الأمور
.
.
البارحة وبينما أنتظر شبح النوم




جاءني مارد اليقظة




سحبني من فراشي وقال لي أكتب




قلت لاشيء في رأسي




قال بل هناك شيء




قلت شيء غير مفهوم لأحد




قال ومنذ متى تكتب شيئاً مفهوماً حتى تعترض




أيقنت أنه أياً كان عرفني على حقيقتي




دنوت منه وقبضت على يده لأقبلها




سحبها بسرعة ثم وضع قلماً في يدي وقبَل جبهتي ومضى




فكتبت سطورا لن يفهمها أحد




.




.




لم أحلم أن أكون شخصاً غير شخصي










لم أتمنى أن أكون غير نفسي










ليس لأنني جبار أو مميز






بل لأنني رضيت بمن أكون منذ زمن بعيد






منذ أن اكتشفت بأنني أنا











إذن لماذا أريد الآن أن أكون شخصاً غيري؟






لماذا أريد أن أَغير من أكون؟











أليس لي الحق بأن أعرف السبب على أقل تقدير؟






أسئلة تدور في عقلي منذ أن عرفتك






سوف أحاول أن أجيبها هنا الآن






هل تعرفين لماذا؟






فقط لأنني سئمت الانتظار






نعم سئمت الانتظار لكي تكتشفين بنفسك






ثم بعد أن تكتشفي الحقيقة خلف قناعي






ربما






ربما تنتبهي لي






فتقولين لي بصوتك المبحوح ذي اللكنة الأجنبية، التي ربما أكون الوحيد الذي يعتقد أنها إلهية، بأنك اهتديت لي












بدأت الكتابة منذ سنوات عديدة. لم أكن وقتها أقرأ لأحد. كنت متيقناً أن القراءة لا تصلح لي أو لغيري. وعلى الرغم من ذلك كنت أتمنى أن تقرئي ما أكتب. هل هو غرور أم أمل؟ لا أدري ماهو ردك. لكنني أتمنى أن لايكون فضولاً غير قاتل أو شفقة






كتبت ما أعتبره الآن شخابيط في كراس. وأعتبرتِهِ قمة في الإنجاز. الآن أعرف أنه شخابيط متفرقة. لكنك لم تقولي لي ذلك. إن صح تعبيري كنت تقولين أنك كنت تبيتين ودموعك بين عينيك حائرة فيمن كتبت عنها ومن هي. ترى هل عرفت وقتها أنني كنت أراك فقط في خيالي! ألم تدلك كلماتي على من أريد أن يراني وهي تراني كل يوم؟ لكنك فضلت أن تقرئي بصمت مستخدمة عينيك الجميليتين دون أن تسمحي لعقلك الجبار أن يتدخل لمعرفة ما بين السطور أو ورائها أو أينما كانت الرموز






سنوات مرت منذ ذلك الوقت. تزوجتِ بغيري . لم تنقطعي من فكري لحظة واحدة. كنت كالمجنون أستمع إليك وأنا أراقب عينيك. كنت أحاول أن أقرأ مالم تريدي البوح به. لم أستطع أن أخرج بالكثير فأنتِ ماهرة في التنكر حتى وإن لم تكوني سعيدة فوجهك دائماً مضيئٌ بإبتسامة. يا إلهي لا أدري مصير من يلعب البوكر أمامك وأنتِ تملكين تلك النظرة التي قد تدفع الجميع للاستسلام دون أن تملكي ورقة رابحة واحدة. هكذا أحس وأنا مستسلم لعينيك. أضع أوراقي على طاولة اللعب لأنسحب بعد أن دفعت بكل أموالي نحو منتصف الطاولة ثم أنظر لعينيك فأخر على الأرض مقراً بقوتك وضعفي أمامك












قبل فترة فتحت صندوق ذكرياتي. كل ما كان بداخله عن طفولتي وحياتي. اكتشفت أن ما فيه غير مهم. تخيلي لم أجد شيئاً يتحدث عنك وأنا الذي لا أرى نفسي إلا كويكباً يدور في فلك نور شمسك. كل شيء مصيره العدم مالم يكن لك ذكر فيه. تاريخي بدأ عندك. كدت أقول وانتهى عندك. بل كتبتها ثم مسحتها لأنني لا أريد أن أنتهي عندك بل أريد أن أستمر معك وإياك إلى أن تعترفي لي بأن الأرض لم تنجب سواي كما أقريت ذلك عنك منذ عرفتك












هل تعرفين أنني أفكر ألف ألف مرة قبل أن أكتب أي جملة خشية أن تقرئيها ثم عندما أسألك عن رأيك تبعدين عينيك عني لتنظرين بعيداً ثم تعودين نحوي لتري أين هي عيني ثم تنظرين في أوراقك فقط لتقولي أنها كانت جيدة ثم تغيرين الموضوع إلى أي شي كان بعيداً عما كتبت. ربما أكون مخطأً لكنني أدلل نفسي بأنني أعرفك تمام المعرفة كما أعلم علم اليقين انك تقرئينني ككتاب مفتوح. وكيف لي إلا أن أكون كتابا مفتوحا بين يديك وأنت من كتب سطوري بأصابعك










لم أحس أنك أنت حتى تحدثت إلي يوماً عمن تحبين أن تقرئي لهم. حدثتك عن نجيب وإحسان والسباعي وغيرهم ممن نحس بأننا يجب أن نقول أننا قرأنا كل ما كتبوا ونعشقهم كما يحس المرء بأنه يجب عليه أن يقول بحب أم كلثوم وعبد الوهاب خشية أن يصنف من ضمن الرعاع وإن لم يكن قد استمتع بهم ولو مرة. لازلت أتذكر كيف هززت رأسك مبتسمة قائلة بأنها تخاريف عرب لا تقرأ. كنت مذهولاً بك وكأنني لم أكن مذهولاً بك من قبل من الأساس. قلتِ لي أن الأدب العربي فقط يقرأ لهؤلاء كونهم هم، ولكن من يريد أن يستمتع فيجب أن يقرأ لمن كتبوا حديثاً. حقيقة لم أعرف كيف أرد على ما تقولين فقط نظرت لك بأن تتمي حديثك. قلتِ لي وقتها بأن من يريد أن يقرأ فليقرأ لأمين معلوف وأحلام وواسيني. صمت برهة ولم أعرف كيف أرد فلم أسمع بهم من قبل. ثم بدأتِ تحدثيني عنهم. لا ولم أنسَ كيف تحدثت عنهم واحداً واحداً وكيف كان الحب ينبت من بين خلجات صدرك. كنت تتكلمين عن أشخاص تمنيت أن أكون أي واحدٍ منهم بلا استثناء. حتى جاء الحديث عن معلوف. كانت تقاسيم وجهك كلها تنشرح وتبتسم. كانت يداك ترتجفان وأنت تصورين لي عبقريته. كنت تتكلمين بتأتأه خفيفة تضيف عليك جاذبية لم أعهدها فيك من قبل. دائماً ما تتملكك تلك التأتأه عندما تريدين إيصال فكرة سريعة بشيء أنت مقتنعة فيه تماماً وكأنما تخشين أن ينتهي الوقت قبل أن توصلي الرسالة. لكنها وصلت حتى لم أعد أراك إلا شخصية من شخصياته نحتها بعقله وتقمصتِها بروحك. أنتِ جميلة بالداساروحبيبة الخيام وقبرصية طانيوس ومصرية ليون الوزان ... وانتِ أنتِ ... سمرقند حياتي



والآن بعد كل هذا ... كتبت رواية أنتِ بطلتها



أتريدين أن تقرئيها؟ أتمنى ذلك






كان يا ما كان في قديم الزمان رجل أحب إمرأة



كتبت ذلك ثم فكرت أنني لا أحبك بل أعشقك ... وكل وصف غير العشق أعتبره كذباً




فغيرت الجملة لتكون




كان يا ما كان في قديم الزمان رجل عشق امرأة



أكاد أعرف ما تفكرين به ... سوف تقولين أنها مجرد حكايات أساطيرأو شيء من هذا



وأن معلوف لايمكن أن يبدأ ب كان يا ما كان






فأعود وأضع التغيير الأخير الذي لن أعيد كتابته بعد الآن ... كتبت



.



رجل عشق امرأة






انتهت الرواية
.


ويستمر عشقك
.
ويستمر الحلم

الثلاثاء، يونيو 05، 2007

أحد عشر كوكباً

لا زلت أفكر في ذلك الرجل وما قد يكون قد حل به






ترى هل أكون انا السبب في تعاسته؟




أسئلة تدور في بالي كل يوم ولا أجد سبيلاً لإجابتها



.



.



أعود بذاكرتي لعصر ذلك اليوم الذي كنت أمشي فيه مع ولدي الأوسط. كان يبكي في المنزل لعدم وجود أيس كريم وأدى زعيقه المستمر بلا هوادة بزوجتي للوصول إلى مرحلة الكفر بكل ماهو مقدس. فقررت أن آخذه إلى خارج أسوار المنزل لأعطيه فرصه العمر بتفضيله على أخوته بقضاء وقت معي وحدنا وربما كانت هناك مفاجئة تنتظره وهي أختيار أي نوع من الأيس كريم بنفسه دون أي تدخلات أبوية. وفي نفس الوقت إعطاء زوجتي بعض الوقت لإلتقاط الأنفاس قبل بدء مرحلة جديدة معه ومع اخوته

.

.

أحب المشي الهادئ مع طفلي هذا بالذات كونه شقياً للغاية في المنزل فهو بالكاد يتحدث بجملتين متتاليتين دون القفز بينهما على الحائط أو احد اخوته. ولكن عندما نكون وحدنا في الشارع فهو طفل مؤدب يمسك بيدي ويتحدث بأسلوب محبب لقلبي. لا أدري إن كان من يمكنه الإعتراف بتفضيل أحد أبنائه على الآخرين. ولا أدري إن كان من العدل فعل ذلك. لكني أقر وأعترف بقربه إلى قلبي أكثر من أخوته. لقد كانت والدتي تفضل أحد أخوتي علينا رغم إنكارها الشديد لتلك الفكرة كلما واجهناها بها حتى يومنا هذا فهي متمسكة بتلك الجملة المأثورة والتي لا أصدقها بأننا جميعاً متساوون في قلبها. لكنها كانت تفعل عكس ما تدعيه. وهاأنذا أفعل تماماً ما كنت لا أحبه فيها. ثم من قال أن تفضيل أحد الأبناء بجريمة؟ ألم يفعلها يعقوب النبي مع يوسف وأخوته الأحد عشر كوكباً؟ أليس الدين يقول بعصمة الأنبياء ومع ذلك لم يعدل في حبه حتى أتاه قميصه مخضب بدم ذئب محمولاً بأيدي عشرة كواكب

.

.

عموماً لم تصل الأمور بيني وبين أخي للبئر رغم وجوده في بيتنا العتيق. ربما كان خوفي من ذلك البئر الذي كنت جازماً انه مرتع الجن وان اللعب حوله أو حتى الإقتراب منه قد يؤدي بي إلى تلبس بجن كافر يجعلني عبداً له أو يخنقني بأصابع غليظة لها رؤوس مدببة كالمسامير تقربك من وجه شيطاني له شعر من أفاعي تتدلى حول رقبته. المضحك أو المخجل أن والدي بدلاً من أن فقط يشرح لنا خطورة اللعب بجانب البئر، تمادى في تخويفنا بقصص مرعبة جعلت مني رجلاً راشداً يخاف أن ينظر في أسفل بئر ماء. بل أذهب أبعد من ذلك وأقول أني مازلت أخاف النظرفي أي حفرة كانت مخافة أن يجذبني ذلك المخلوق ذو الأصابع المدببة

.

.

إبني يجرني من أصبعي نحو محل البقالة في آخر الطريق يريد أن يأخذ مكافئته على الإلتزام بتعليماتي الصارمة التي إلتزم بها ككتاب مقدس.لا أدري إن كان إلتزامه حباً في المكافئة أم إحترام لي أم خوف من عقاب! هكذا نحن لا نعمل شيئاً فقط لنعمله فدائماً هناك مقصد لنا في آخر الطريق. ربما يكون طفلاً ولكن حتى الأطفال وإن إختلفت أهدافهم تبقى اهداف في نهاية الأمر والغاية تبرر الوسيلة كما يتقول علينا فلاسفة الأنانية البشرية. وفي النهاية لابد لي أن أنصاع لرغبته مهما كانت ... ألم أقل انه عزيزي

.

.

لا أدري ما الذي جعلني أسلك طريقاً غير طريق العودة إلى المنزل. شيئاً ما جذبني نحو أحد الأزقة التي لطالما مررت بجانبها ولم أفكر حتى في النظر إليها. كنا نمشي أنا وصغيري عندما لفت إنتباهي لشيئ مرمي على الأرض. مشينا نحوه ولفرط دهشتي وجدت لوحة زيتية تبدو عالية الدقة توحي بأن راسمها قد أفنى وقت طويل فيها ليضع كل مقاييس الجمال الحسي والذوقي التي تشدأرواح من ينظرون اليها من اللحظة الأولى. كانت اللوحة مبروزة بإطار أقل ما يمكن أن أقول عنه أنه باهض الثمن مذهب الأطراف جميل بدقة صنعه. كانت اللوحة وإطارها متناسقين بشكل يدل على أن من زاوج الأثنين يمتلك حساً رفيعاً في الحياة. اللوحة عبارة عن مجموعة من الأولاد يقفون بجانب بعضهم البعض وينظرون إلى خارج اللوحة. كان هناك ستة أولاد بعضهم يلبس ملابس بالية وآخرون يلبسون ثياب تبدو غالية الأثمان. أصدق القول أنني لا أفهم بالفن ولا بالرسم على الأخص لكنني أحسست بأن اللوحة تجذبني نحوها. أحببتها من أول نظرة هو ما يمكن أن أصف شعوري. ولا بد أن أشير إلى غبطة زوجتي عندما أدخل البيت متأبطاً تلك اللوحة الجميلة والتي لم أدفع قرشاً واحداً لأمتلكها

.

.

لا أعرف كيف وصلت لمنزلي فأبني يشدني من يدي والأخرى تحمل الغنيمة التي قد غنمناها أنا وهو للتو. لا أفكر بشيئ غير تفكيري بصورة زوجتي وهي تاخذ اللوحة من تحت أبطي وتشهق شهقتها المعتادة كلما رأت شيئاً جديداً وكانما هي لم تخرج من بيت ثري كانت لها الكلمة الأخيرة قبل الأولى إن لم تكن الأثنتين معاً وربما في آن واحد. أما أبني هو الآخر فيبدو أنه دخل على خط المفاجأة السعيدة فلم يعد يفرق بين خطواته يريد لوصول للبيت الآن قبل الآلان. شيئ واحد أعادني لوعيي هو صوت الفرملة المدوي الذي سمعته فجأة بجانب رأسي وجسدي وكلي ... وقبل ذلك ابني. كدت أموت في موقعي عندما نظرت ليميني فرأيت سيارة مسرعة بإتجاهي تحاول تفادي أن يكون ذبحي بين عجلاتها في اقل من ثانية. رأيت سنين عمري كلها تمرق من أمام عيني. وتيقنت أنني ميت لا محالة لولا أن توقفت العجلات قبل دهسي وطفلي بمسافة لا تزيد عن أصابع يد واحدة ممدودة ... نظرت للسائق وكأن لسان حالي يعتذر عن تطفلنا دون قصد ... طبعاً لم يعجب السائق إعتذاري فرأيت منه ما يثبت ذلك بالدليل القاطع إن لم نقل بالإصبع القاطع! ترى ماذا كان ظن ولدي وهو يراني أعتذر لرجل كاد أن يدهسني وإياه فقط لأعتذر له ليبادر بدهس كرامتي أمامه؟
.

.

لم أقدر أن أصدق فرحت زوجتي بدخولي المنزل وأنا احمل شيئاً جديداً ... هل لي أن أسأل إن كانت النساء كلها هكذا؟ لا أدرى فلم أكن يوماً بالرجل الخبير بهن ... بل أود أن أذهب أبعد من هذا بأن أقول بأنني لا زلت لا أعرف كيف تفكر بنات آوي أقصد حواء. ربما أبتعدت أكثر مما ينبغي أو تقولت بما لست بمحل تقوله ليس تطيراً بل مخافة وتلك الحقيقة ولا أكثر من ذلك



هل يمكن أن يفرح شخص بكل ما أوتي من مال بشيئ فقط لكونه من دون مقابل؟ هذا كان سؤالي لسيدة بيتي وعقلي ... لم ترد علي كعادتها عندما أتدخل في أمور ليست من صلب الرجال وكأنما الرجال خلقوا من ضلع اقل اعوجاجاً من النساء. لست أدري أينما أنا ذاهب بتلك المناظرة الغير مجدية لأحد سواي ... أنا أعوج من ضلع حواء وتلك الحقيقة. لم تصدق زوجتي قصتي حتى تدخل أبننا بناء على رغبتي بشرح ما حصل دونما أن يخطئ بالتطرق لحادثة الدهس التي لم تكن ودونما أن أطلب منه ذلك ... ألم أقل بداية أنه عزيزى وكوكبي الذي ربما سجدت له لو تطلب الأمر ذلك

.

.

قبل أن اجلس على كرسيي المثير المفضل والذي يرغب الجميع بالجلوس عليه ولا يُسمح لأحد بالجلوس عليه عداي ... كانت زوجتي قد قررت أين ستعلق اللوحة الهدية السمائية في غرفة الجلوس العائلية لتكون بمثابة المناصف لكل شيئ ... فالأولاد ينقسمون لجزئين ... هم ستة أولاد ثلاثة بملابس بالية وثلاثة ملابسهم غالية وكأنما قررت زوجتي تعليم الأبناء درساَ من درس الحياة التي لم تفتأ تعلمها للأبناء عن وجود الغنى والفقر والخير والشر والضد والمضاد ... وأصدق القول بأني لا أعرف إن كانت تراني بمضادها او إن كانت ترى انها هي الخير وأنا بعكسه ولا أقول الشر كوني لا أزكي نفسي لكني جميل الطلعة والخلق ... فكيف ومن تكون هي؟ لست بالشجاعة التي كنت عليها يوماً ما لأرد على تسائل سألته نفسي ... ما اجبنني ... عربي أنا أخشيني كما تدعي الأغنية السخيفة

.

.

لم أكد أمضي لحال سبيلي في المنزل حتى جائني ولدي الآخر وهو يمطرني بطلب واحد لكنه كعادته يطلبه مئة مرة بالدقيقة. كان يلح علي أن أذهب للطابق العلوي من المنزل لأقوم بنفخ القلعة التي كنت قد طلبتها لهم وأتت للتو قبل أن ندخل المنزل بدقائق عن طريق البريد. طلبت منه أن يطلب من والدته عمل ذلك فبين لي انها هي من أرسله نحوي قائلة أنها من أعمال الرجال المنزلية التي لا تخص النساء. لا أذكر ما تمتمت به لكني أذكر أنه لم يكن حميداً. مسك يدي وجرني من الكرسي وبدأ يقودني كما تقاد الشياة أو الأعمي لا فرق. إستغرق الامر مني قرابة الساعة قبل أن انتهي من نفخ القلعة اللعينة والتي بدت أكبر بكثير مما توقعت ولولا المنفاخ الآلي لكنت بلا بلعوم ولا رئة الآن ولا أعتقد أن أبنائي كان يهمهم أمري الآن فهم يرون شيئ واحد فقط ... القلعة المنفوخة

.

.

لا أدري لماذا أصرت زوجتي على تعليق تلك الوحة في غرفة الجلوس. لا أعرف الكثير عن علم تصفيف الأثاث الذي تعرفه هي وتعايرني به طوال الوقت بل تطلق عليه لقب الديكور الداخلي وكأنما تريد أن تجد تبرير لوضع قطع من الاثاث هنا وهناك وتستند لعلم ومعرفة لتفعل ذلك رغم أن كل ما في الأمر أن الموضوع لا يتعلق بأكثر من إطار يعلق على الحائط. ثم ما بي أريد التعليق على أتفه الأمور وكأنما حياتي وحسابي معلق بها. على أي حال أصبحت اللوحة الآن في غرفة الجلوس وأنتهى الأمر على ذلك. الأمر الوحيد الذي تغير هو طريقة تعاملها معي فكأنما أصبحت رجلاً جديراً بالحب ولو ليوم واحد وكأني رجل العصر الحجري الذي عاد لغاره بعد شقاء يوم في الصيد بغزال أو ما شابه وبدأت نساءه بالنظرإليه بإعجاب يفوق نظرات الفخر وربما يدعوه لشيئ أكثر. لم أحضى بنظرة كتلك منذ آن لذا فقد تقبلت ذلك بصدر يفوق بالرحابة

.

.

كنت أسمع صراخ الأولاد بالدور العلوي وهم يلعبون. كان صراخهم على شدة قسوته وعلوه جميل جعلني أحس بإحساس غريب بأنني قد وصلت لقمة السعادة. وكيف لا ولدي من الأبناء العديد وكلنا نعيش رغد العيش وليس هناك ما ينغص علينا عيشنا. سرحت أفكر بأمور كثيرة قبل ان يقطعها صراخ أبني الاكبر وهو يناديني وأمه بصورة أقل ما يمكن أن يقال عنها بأنها هيستيرية. قفزت من مكاني أركض نحو الدرج المؤدي للدور العلوي وصعدت السلمات أربع أربع حتى وصلت له. كان يصرخ ويقول بأن علينا أن نلحق أخيه. دخلت حجرة اللعب فوجدت صغيري وقد لف عمود القلعة البلاستيكي حول عنقه وخنقه. كان فمة يزبد وعينيه مبحلقة. طار صوابي ولم أعرف ماذا أفعل. بدأت بفك الرباط من حول رقبته ثم وضعت رأسي على صدره لأستمع لدقات قلب صغير لم يكن قد أكمل عامه الرابع بعد. لم يكن هناك دقات. كان الجميع حولي يصرخ بخوف. أمه تضرب على وجهها بيديها. أخته غطت وجهها بيدها وهي تصرخ بعنف. وأنا لا أعرف ماذا أفعل. حملته مسرعاً نحو السيارة وصرخت بأمه أن تأتي خلفي بسرعة. القيته في المقعد الخلفي وطلبت منها أن تجلس معه وأن تحاول عمل التنفس الصناعي. كانت تصرخ أنه لافائدة فإبننا قد مات وهي تضرب على وجهها. لا اعرف كم مضى من الوقت قبل أن كنا قد وصلنا المستشفى القريب من منزلنا

.

.

لم أعد أستوعب ما يدور حولي. ولدي ذهب بلا عودة. كيف لأحد أن يتقبل أمر كهذا؟ قال لي احدهم في المستشفى وهو يحاول مواساتي بأن ألله يعطي وألله يأخذ! من قال ذلك؟ وهل من تفوه بهراء كهذا ذهب له طفل يكاد يعبده! ثم لماذا حبيبي يُأخذ ويُبقى غيره؟ هل هذا هو العدل الذي يجب أن نعيش ونتقبله بلا مسائلة؟

.

.

قلبي يتفتت وِشعري يشيب وروحي تذوب كل ثانية لتعود مرة أخرى فتذوب ثانية



كان قلبي ينفطر عندما يبكي


والآن قلبي يتمنى أن يسمعه يبكي مرة واحد


أود لو أشمه مرة أخرى


أفكر فيه وجسده البارد



أفكر فيه وهو وحيد



أفكر فيه وهو خائف فلست أنا بجانبه أمسك يده لأطمئنه أن كل شيئ بخير






كنت وأنا طفل صغير يطلب مني أبي أن أُحضر له شيئ من الثلاجة الواقعة في المطبخ الخارجي. كنت أشعر بالخوف الشديد من الظلام فأركض بشدة نحو المطبخ وأنا أُغني بأعلى صوتي لأطمئن نفسي وأخيف من هناك ... أرواح كانت أم غيرها ... وعندما أصل لوالدي أكون منهكاَ من تعب الركض والغناء معاَ في نفس الوقت وكنت أرى في نظرته تشجيع لي ليط