الجمعة، يوليو 02، 2010

رسالة أمستردام - مالم يقله همام

نظراً لعدم إكتمال الجزء الأخير من القصة قررت نشر هذه الرسالة التي لم ترسل
.
.
ملاكي
.
أكتب إليك من أمستردام عاصمة الورود والطواحين. تلك العاصمة ذات التاريخ العريق. تاريخ امتد إلى أقاصي الأرض. مشارقها ومغاربها دون أن ينسى شمالها وجنوبها. على الرغم من كبر سنها لكنها لازالت جميلة. بينما غيرها أصبحن مجرد عجائز شمطاوات
كلما وطئت قدماي أحد تلك البلاد التي لك أن تشم عراقتها في أزقتها أشعر بالرهبة. رهبة كون تلك الأزقة لو سمح لها الزمن لأفردت حكايات كثيرة. ممتع منها ومشمئز. كما هي في جميع المدن القديمة التي حافظ عليها أهلها دون الحاجة لتدميرها بحجة بناء مدينة عصرية كما هو الحال في مدننا. تكاد تقرأ أسطر كتبها رجال قبل مئات السنين مكتوبة على كنائس ومباني قديمة بنيت بطراز معماري فريد. كما هو الحال في مدريد وبرشلونة وفيينا وغيرها من المدن التي تفننت بتخليد تاريخها عبر صروح متميزة
.
قررت ان أستغل وجود ساعتين من الفراغ قبل الإجتماع القادم الذي من أجله حضرت لأقوم بجولة في المدينة. جولة على الأقدام أتخلص فيها من تعب الجلوس في الطائرة. يبدو أن كبر السن بدأت تظهر آثاره بقوة. آلام في أسفل الظهر. آلام في القدمين. نسيان. شعر بدا يختفي منه اللون الأسود. عيون بدأت تذبل. هذا أنا اليوم
.
تجولت في أنحاء المدينة ووجدتها ساحرة. القنوات المائية والقوارب تنتشر في كل مكان. الدراجات الهوائية تكاد تكون أكثر من السيارات. الهولنديون شعب يحب البيئة. يحب الورود. يحب الحياة. يحب الطبيعة. أمستردام تشبه فتاة فارعة في الطول ناهدة في عمر الورود مليئة بالحيوية تلبس فستان لونه برتقالي. تحمل الفتاة سلة ورد لونها برتقالي. سلة الورد مليئة بورود عطرة لونها برتقالي. تناغم عجيب للألوان رغم وجود لون واحد. تنظر للفتاة التي تحمل سلة بها ورود ولا تملك إلا أن تبتسم
.
وجوه ذات سحنة عربية بين محلات بقالة عربية في كل مكان. اعلان للكوكاكولا باللغة العربية على واجهة أحد تلك المحلات. لا أدري لماذا ساورني شعور بأنني سأرى لافتة تقول أن الأسلام هو الحل في أحد الشوارع. أرى الحجاب منتشر بكثرة على رؤوس فتيات يبدو أنهن أبناء المهاجرين الذين جاءوا من سنوات لطلب العيش. تماماً كهمام الذي جاء دون شهادة أو حرفة لأمستردام ومع ذلك نجح في شراء مطعم والزواج من الفتاة الجميلة التي احبته وبالطبع هزم الرجل اليهودي في النهاية
.
وأنا أمشي وجدت نفسي فجأة في منطقة علمت فيما بعد أنها تدعى المنطقة الحمراء. وجدت نفسي في منتصفها دون سابق إنذار. محلات تبيع أدوات جنسية. فترينات المحال تعرض البضاعة دون حياء أو خجل. رجل مثلي مشى في اقصاع الأرض يطيح الخجل بنظرى للناحية الأخرى. ألتفت حولي لأرى إن كان أحد قد لاحظ خجلي المباغت. لا أحد يبالي بأحد هنا. البعض يعاين البضاعة دون خجل والبعض الآخر يلتقط الصور التذكارية بجانب المعروضات وهم يتبادلون النكات
بجانب تلك المحلات تجد العديد من المطاعم وكأنما من جاء لتلك المنطقة جاء ليتسوق ثم يقصد أحد تلك المطاعم ليقتل جوع في بطنه. العديد من تلك المطاعم تعلن أنها تقدم الأكل الحلال. الحلال والحرام يقفون كتفاً بكتف كالبنيان المرصوص. أجد هذا التناقض مقزز. هل وصل الحال أن نتاجر بحلال الطعام ونغض النظر عن الحرام الآخر! ترى هل كان همام يأكل هنا عندما جاء لأمستردام؟ ربما
.
دون خجل ودون أن يرف لهم جفن ... يدعوني العاملين العرب في تلك المطاعم للتفضل بالدخول وطلب الأكل الحلال. أبتسم بإشمئزاز وأنا ألمح لافتة الأكل الحلال التي يتقدما الفلافل وهي مكتوبة بعدة لغات ... فلافل حلال يا ملاكي. كدت أجربها فقط لأعرف الفرق. أتجاهل العمال واحداً تلو الآخر بصمت رغم أن عقلي يطلب مني أن أقول شيئاً. ربماً شيئاً يحمل الكثير من التقريع. طعام حلال وسط بحر من الحرام. وما زال همام يتاجر بعقول الشباب الحالم بمستقبل أفضل في أمستردام
.
لم تكن تلك المفاجأة الوحيدة لي في تلك المنطقة الحمراء المليئة بالمفاجئات. فقد تبين لي أنه من المسموح به بيع وتناول نبات الماريجوانا المخدر. مقاه ومحلات تفرد اعلانات تدعوك لتجريب العديد من الأنواع. كل ما عليك هو أثبات أن سنك يطابق الحد الأدنى المسموح به قانونياً. دخلت لأحد تلك المقاه من باب الفضول. شممت رائحة ذكرتي بفترة سابقة من حياتي كنت أود نسيانها. هي مرحلة الحياة قبل وجودك أنتي في حياتي. انتابني شعور غريب وأنا بالداخل. لم يلبث هذا الشعور أن تحول إلى شعور مريح مرح وسط ضحكات على الفاصل الكوميدي الذي يقدمه النادل. أسارع بالخروج لأنني أعرف أن الفاصل الكوميدي هو فاصل بليد والشيئ الوحيد الذي يجعله ممتعاً هو تأثير تدخين الماريجوانا. أخرج قبل أن يضحك علي أبليس الخناس ويجعلني أجرب النبتة البريئة. أبليس اللذي يلاحقني بصورة مستمرة منذ سنوات طويلة كما يلاحق عزازيل هيبا. أنا وإبليس أو عزازيل لنا تجارب عديدة. أغلبه مرة ويغلبني مرات. ربما حكيت لك عن إحداها يوماً ما
.
أهرب من هذا كله لأرى فتيات صغيرات بالسن لا تتعدى أي واحدة منهن التاسعة عشر يقفن في فترينات محلات وهن يرتدين ملابس فاضحة. جنباً إلى جنب تجد فترينات أخرى بها نساء دميمات سمينات. نساء وفتيات جئن من مختلف أنحاء الأرض. كل فترينة خلفها غرفة صغيرة. تقوم كل إمرأة بتسويق نفسها فهي البضاعة وهي البائع في نفس الوقت. رجال يحومون حول المحال كما الليث الذي يحوم حول قطيع من الغزلان يفحصهم ليختار إحداها لعشاءه. شبان مراهقين ربما كانوا يريدون بدء حياتهم الجنسية مع إمرأة لن تضحك على رهبتهم عندما تنفرد بأحدهم للمرة الأولى في حياته. فتيات ربما كانت لهن أحلام بمستقبل أفضل بكثير مما هن فيه الآن. أحلام كانت قبل أن يكتشفن أن الحياة تلوك الأحلام وتبصقها في الوجوه ثم تعود لتطالبك بثمن البصقة التي لا تملك ثمنها في معظم الحالات فتغدوعبداً بيدها. هل فكرت إحداهن وهي تلعب بدميتها أنها سوف تصبح تلك الدمية التي تتبادلها الأيدي وهي عارية فقط تطلب القليل من المال والذي مهما كثر يبقى قليل مقارنة لما تعرضه
وتظل الفترينات بجانب الأكل الحلال. وتبقى محلات الجنس بجانب الفلافل المذبوحة حسب الشريعة السمحاء. ويبقى همام الوحيد الذي ملك أمستردام في الأحلام والأفلام
.
أعود للفندق منهكاً مشمئزاً مما رأيت. كنت حزين للغاية. المدينة التي أحببت قبل ساعتين كرهتها قبل ساعة. ربما كان علي ألا أدخل تلك المنطقة. ربما كان علي أن التزم بالطرق الرئيسية فقط دون الطرق الجانبية. ربما يجب ألا آخذ الأمور بتلك الحساسية. لا أدري. كل ما أعرفه أنني لا أحب تلك المدينة كثيراً الآن
.
لم أسمع منك منذ فترة
.
تجاهلك لي في الفترة الأخيرة أصبح يوترني. غيابك من حياتي دون سبب هل له علاقة بما قلته آخر مرة؟
.
أكتب هذا وأنا في المطار متوجهاً إلى لندن
.
كيف أنتي
.
مرحباً
.
أنا

هناك 4 تعليقات:

الحمار الحكيم يقول...

أول زيارة ولن تكون الأخيرة

تم الإضافة في المفضلة


أجد نفسي لديك , فكتابتك مريحة


والعقل المستعان

بالديسار يقول...

سيدي الفاضل

البيت بيتك
اسعدني مرورك الأول
أرجو أن يكون الأول من عشرات الزيارات
وعد الحر دين

ودمت بخير

maigrir gélules يقول...

très bonne approche

Uouo Uo يقول...



thx

مؤسسه تنظيف